ابراهيم بن محمد الاصطخري ( الكرخي )
162
المسالك والممالك ( ط مصر )
الذي لا يقاربه « 1 » في الغزارة والكثرة معدن في سائر بلدان الإسلام « 2 » إلا بنجهير في الفضّة ، وأما الزيبق والذهب « 3 » وسائر ما يكون في المعادن فأغزرها ما يرتفع مما وراء النهر ، وليس في شئ من بلدان الإسلام النوشاذر والكاغذ إلا في ما وراء النهر ؛ أما فواكههم فإنك إذا تبطّنت السغد وأشر وسنة وفرغانه والشاش رأيت من كثرتها ما يزيد على سائر الآفاق ، حتى يرعاها لكثرتها دوابّهم ؛ وأما الرقيق فإنه يقع إليهم من الأتراك المحيطة بهم ما يفضل عن كفايتهم ، وينقل إلى الآفاق من بلادهم ، وهو خير رقيق يحيط بالمشرق كله ؛ وبها من المسك الذي يجلب إليهم من تبّت وخرخيز ما ينقل إلى سائر الأمصار منها ؛ ويرتفع من الصّغانيان إلى واشجرد من الزعفران ما ينتقل إلى الآفاق ، وكذلك الأوبار من السمّور والسّنجاب والثعالب وغيرها ، مما يحمل إلى أقصى الغرب « 4 » ، مع طرائف من الحديد والختوّ « 5 » والبزاة ، وغير ذلك مما يحتاج إليه الملوك . وأما سماحتهم فإن الناس في أكثر ما وراء النهر كأنهم في دار واحدة ، ما ينزل أحد بأحد إلا كأنّه رجل دخل دار نفسه ، لا يجد المضيّف من طارق في نفسه كراهة ، بل يستفرغ مجهوده في إقامة أوده ، من غير معرفة تقدمت ولا توقّع مكافأة ، بل اعتقادا للسماحة في أموالهم ، وهمة كل امرئ منهم على قدره فيما ملكت يده ، من القيام على نفسه ومن يطرقه ، وبحسبك أنك لا تجد فيهم صاحب ضيعة إلا كانت همته ابتناء قصر فسيح ومنزل للأضياف ، فتراه عامة دهره متأنّقا في إعداد ما يصلح لمن طرقه « 6 » ، فإذا حلّ « 7 » بينهم طارق تنافسوا فيه وتنازعوه ، فليس أحد يتصرف بما وراء النهر في مكان به ناس يخاف الضياع في ليل أو نهار ، فهم فيما بينهم يتبارون في مثل هذا حتى يجحف ذلك « 8 » بأموالهم ويقدح في أملاكهم ، كما يتبارى سائر الناس في الجمع ، ويتباهون بالملك والمكائرة في المال ، ولقد شهدت منزلا بالسغد ضربت « 9 » الأوتاد على باب داره ، فبلغني أن بابها لم يردّ منذ مائة سنة وأكثر « 10 » لا يمنع من نزولها طارق ، وربما نزل بالليل بغتة من غير استعداد المائة والمائتان والأكثر بدوابّهم وحشمهم ، فيجدون من علف دوابهم وطعامهم ودثارهم ما يعمّهم ، من غير أن يتكلّف صاحب المنزل أمرا لذلك لدوام ذلك منهم ، قد أقيم على كل عمل من يستقل به ، وأعدّ ما يحتاج إليه على دوام الأوقات ، بحيث لا يحتاج معه إلى تجديد أمر عند طروقهم ، وصاحب المنزل من البشاشة والإقبال والمساواة لأضيافه ، بحيث يعلم كل من شاهده سروره بذلك وسماحته ، ولم أر مثل هذا ولم أسمع به « 11 » في شئ من بلدان الإسلام لرعيّة ، ومع ذلك فإنك لا تجد في بلدان الإسلام أهل الثروة إلا والغالب على أكثرهم صرف نفقاتهم ، إلى خاصّ أنفسهم
--> ( 1 ) في ا . الذي لا يقاربه شئ لغزارته . . . ( 2 ) في ا . في سائر البلدار . ( 3 ) تزيد ا . والنحاس ( 4 ) في ا . إلى الآفاق . ( 5 ) المفتول الأهداب ( 6 ) في ا . فتراه غاية نهاره متأنقا ( 7 ) في ا : دخل ( 8 ) زيادة عن ا ( 9 ) في م : قد ضرب والتصويب عن ا ( 10 ) في ا : فبلغني انه لم يغلق بابه منذ زيادة على مائة سنة ( 11 ) في ا : ما رأيت مثل هذا ولا سمعت به